ابو جعفر محمد جواد الخراساني
75
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
وإنّه ربما يأتيه ويرد عليه ما يحول ويمنع عن مهمّه الّذي اهتمّ له ، وذلك من فسخ عزمه إذا عزم على شيء ، ونقض همّه إذا همّ بشيء ؛ ويعرف أنّه لم يك حينا من الدهر كائنا ؛ كما قال تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً « 1 » . ولما مضى قبله زمان ولم يكن موجودا ، فلم يكن هو لنفسه مكوّنا ؛ إذ المعدوم لا يكوّن الموجود ، فلا بدّ أن يكون له موجد غيره ، ولا الّذي يكون من أمثاله ممّن لم يكن ، فكان ، يجوز ان يكون مكوّنا له كأبيه مثلا ، إذ حال مثله إذن ، كحاله ، يجري عليه ما جرى عليه ؛ فكما كان هو معدوما والمعدوم لا يوجد نفسه ، فكذلك كان أبوه من قبله ، وإذا لم يكن أبوه الّذي مثله موجدا لنفسه ، فليس أمر غيره إليه أيضا ؛ [ بيان بعض ما ورد عنهم ( ع ) في الاستدلال بخلق الانسان ] فعن الرضا ( ع ) ، « وقد جاء إليه رجل فقال : يا ابن رسول اللّه ! ما الدليل على حدوث العالم ؟ فقال ( ع ) : « أنت لم تكن ثمّ كنت ، وقد علمت أنّك لم تكوّن نفسك ولا كوّنك من هو مثلك . » « 2 » وعنه ( ع ) أيضا ، وقد سأله بعض الزنادقة ما الدليل عليه ؟ قال ( ع ) : « إنّي لمّا نظرت إلى جسدي ، فلم يمكّني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول ودفع المكاره عنه وجرّ المنفعة إليه ، علمت أنّ لهذا البنيان بانيا ، فأقررت به ؛ وما أرى من دوران الفلك بقدرته ، وإنشاء السّحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم ، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات ، علمت أنّ لهذا مقدّرا ومنشأ . » « 3 » وقال الصادق ( ع ) في الإهليلجة : « والعجب من مخلوق يزعم أنّ اللّه يخفى على عباده ، وهو يرى اثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله وتأليف يبطل حجّته . » « 4 » وقد تقدّم في الاستدلال بالصّنع قوله ( ع ) لابن أبي العوجاء : « أمصنوع أنت أم غير مصنوع . . . » « 5 » وعن هشام بن حكم ، عنه ( ع ) ، في جواب أبي شاكر الديصاني حين قال : ما الدليل على أنّ لك صانعا ؟ فقال ( ع ) : « وجدت نفسي لا تخلو من احدى جهتين : إمّا أن تكون صنعتها انا ، فلا اخلو من أحد معنيين : إمّا أن اكوّن صنعتها وكانت موجودة ، فقد استفنت بوجودها عن صنعتها ، وإن كانت
--> ( 1 ) . الانسان 76 : 1 . ( 2 ) . البحار 3 : 36 / 11 . ( 3 ) . المصدر 3 : 37 / 12 . ( 4 ) . المصدر 3 : 152 / 1 . ( 5 ) . المصدر 3 : 23850 .